القرطبي
124
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
40 باب منه وما جاء أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه وهم من شرّ الناس له روى أبو هدبة ، إبراهيم بن هدبة ، قال : حدّثنا أنس بن مالك قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن العبد الميت إذا وضع في قبره وأقعد » قال : « يقول أهله : وا سيداه واشريفاه وا أميراه » قال : « يقول الملك : اسمع ما يقولون ، أنت كنت سيدا ؟ أنت كنت أميرا ؟ أنت كنت شريفا ؟ » قال : « يقول الميت : يا ليتهم يسكتون » قال : « فيضغط ضغطة تختلف فيها أضلاعه » « 1 » . فصل قال علماؤنا رحمة اللّه عليهم : قال بعض العلماء أو أكثرهم : إنما يعذب الميت ببكاء الحي إذا كان البكاء من سنّة الميت واختياره ، كما قال : إذا متّ فانعيني بما أنا أهله * وشقّي عليّ الجيب يا ابنة معبد وكذلك إذا وصّى به . وقد روي ما يدل على أن الميت يصيبه عذاب ببكاء الحي عليه ، وإن لم يكن من سنته ، ولا من اختياره ، ولا مما أوصى به . واستدلوا بحديث أنس المذكور ، وبما روي من حديث قيلة بنت مخرمة ، وذكرت عند النبي صلى اللّه عليه وسلم ولدا لها مات ثم بكت ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « « أيغلب أحيدكم أن يصاحب صويحبه في الدنيا معروفا ، فإذا حال بينه وبين من هو أولى به منه استرجع ؟ » ثم قال : « اللهم أثبني فيما أمضيت ، وأعني على ما أبقيت ، فوالذي نفس محمد بيده إن أحيدكم ليبكي فيستعبر له صويحبه ، يا عباد اللّه لا تعذّبوا موتاكم » . ذكره ابن أبي خيثمة ، وأبو بكر بن أبي شيبة وغيرهما « 2 » . وهو حديث معروف إسناده لا بأس به وسياقه يدل على أن بكاء هذه لم يكن من اختيار لابنها لأن ابنها صاحب من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ولا كان هذا البكاء المعروف في الجاهلية الذي كان من اختيار الميت ومما يوصي به . وذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب « الاستيعاب » من حديث أبي موسى
--> ( 1 ) حديث ضعيف ؛ لأجل إبراهيم بن هدبة . ( 2 ) أخرجه ابن سعد في « الطبقات الكبرى » ( 1 / 2 / 58 ) الطبعة القديمة .